تقرير حقوقي يكشف انتهاكات يومية في غزة ومئات الضحايا منذ أكتوبر 2025
تصاعد القتل يقوض اتفاق وقف إطلاق النار
تتواصل في قطاع غزة مشاهد العنف اليومية رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، حيث تتزايد أعداد الضحايا في ظل ما تصفه جهات حقوقية بنهج يقوض أي فرصة حقيقية للاستقرار أو حماية المدنيين. ومع مرور 134 يوما على بدء الاتفاق، تبدو الأرض أكثر هشاشة، فيما يواجه السكان واقعا إنسانيا قاسيا تتداخل فيه المخاطر الأمنية مع الانهيار الخدمي.
وفي هذا السياق، قال مركز غزة لحقوق الإنسان في بيان صدر الأحد إن إسرائيل تواصل انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار بشكل يومي، عبر عمليات قتل مباشر وقصف جوي ومدفعي ونسف للمنازل، إلى جانب تعطيل إدخال المساعدات والوقود، وفقا لما وثّقه الفريق الميداني التابع للمركز الذي يرصد الانتهاكات وفق معايير قانونية ومهنية دقيقة.
وتشير المعطيات التي جمعها المركز خلال 133 يوما إلى معدل يومي يبلغ 13.5 خرق، ما يعكس نمطا ثابتا من الانتهاكات التي تفرغ الاتفاق من مضمونه وتحوله إلى إطار شكلي لا يوفر حماية فعلية للمدنيين.
وقائع ميدانية دامية
يرصد التقرير حوادث متتالية تؤكد استمرار استهداف المدنيين في قطاع غزة، من بينها مقتل الشابة بسمة عرام بنات البالغة 27 عاما اليوم الأحد، بعد إصابتها برصاص الجيش الإسرائيلي قرب ميدان بيت لاهيا شمال قطاع غزة، في حادثة إطلاق نار مباشر.
وفي حادثة أخرى وقعت يوم أمس الأحد، استهدفت طائرة مسيرة شابا يبلغ 29 عاما أثناء توجهه لتفقد منزله في مخيم جباليا، ما أدى إلى مقتله على الفور متأثرا بإصابته بشظايا في أنحاء جسده، في واقعة تعكس طبيعة المخاطر التي يواجهها المدنيون حتى أثناء محاولتهم العودة إلى منازلهم.
تصعيد رغم الاتفاق
يؤكد المركز أن هذه الوقائع ليست معزولة، بل تأتي ضمن سياق أوسع من العمليات العسكرية المتواصلة التي تشمل القصف الجوي والمدفعي وإطلاق النار ونسف المباني في مختلف مناطق قطاع غزة، وهو ما يعكس استمرار فرض السيطرة النارية على مساحات واسعة، خلافا لما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه في 10 أكتوبر 2025.
ويشير ذلك إلى فجوة كبيرة بين ما نص عليه الاتفاق من انسحاب وتهدئة، وبين ما يحدث فعليا على الأرض من عمليات متكررة تعيد إنتاج مشهد العنف بشكل يومي.
أرقام تكشف حجم المأساة
تكشف الأرقام الواردة في التقرير عن حجم الخسائر البشرية في قطاع غزة منذ بدء سريان الاتفاق، حيث بلغ عدد الضحايا 642 فلسطينيا، بمعدل يومي يقارب 4.8 ضحية، بينهم 197 طفلا و85 سيدة و22 مسنا، ما يعني أن 47.2 بالمئة من الضحايا ينتمون إلى فئات يفترض أن يحميها القانون الدولي الإنساني.
أما عدد المصابين فقد وصل إلى 1643 مصابا، بمعدل يومي يبلغ 12.3 إصابة، بينهم 504 أطفال و330 سيدة و89 مسنا، بنسبة تصل إلى 56.1 بالمئة من إجمالي المصابين، وهو ما يعكس نمطا متكررا من استهداف المدنيين.
وتؤكد هذه الأرقام أن الفئات الأكثر هشاشة هي الأكثر تضررا، في ظل غياب الحماية الفعلية واستمرار العمليات العسكرية في مناطق مأهولة.
أزمة إنسانية متفاقمة
لا تقتصر الانتهاكات على العمليات العسكرية، بل تمتد إلى تقويض الجانب الإنساني من الاتفاق، حيث يشير التقرير إلى عدم الالتزام بإدخال 600 شاحنة مساعدات يوميا، من بينها 50 شاحنة وقود، كما كان متفقا عليه.
ووفقا للبيانات، لم يتجاوز ما دخل فعليا 43 بالمئة من إجمالي الشاحنات، فيما لم تتعد نسبة إدخال الوقود 15 بالمئة، وهو ما أدى إلى تفاقم أزمة الخدمات الأساسية، وتعطيل إصلاح البنية التحتية، وزيادة معاناة السكان الذين يعتمدون بشكل كبير على هذه الإمدادات.
كما يلفت التقرير إلى استمرار القيود على حركة السفر عبر معبر رفح، حيث لم تتجاوز نسبة الالتزام بأعداد المسافرين 40.3 بالمئة، ما يحرم المرضى والجرحى من فرص العلاج خارج القطاع ويقيد حرية التنقل.
اتهامات قانونية خطيرة
يرى المركز أن الانتهاكات الإسرائيلية تشكل خرقا جسيما لقواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقيات جنيف، نظرا لاستهداف المدنيين بشكل متكرر ومنهجي، بما في ذلك الأطفال والنساء.
ويذهب التقرير إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن هذه الممارسات تندرج ضمن أفعال ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، من خلال الجمع بين القتل المباشر وتدمير مقومات الحياة وحرمان السكان من الاحتياجات الأساسية.
صمت دولي وغياب المساءلة
يشير التقرير إلى أن استمرار هذه الانتهاكات يجري في ظل صمت دولي وصفه بالمريب، ما يسهم في ترسيخ مناخ الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار الجرائم دون خوف من المحاسبة.
كما أعرب المركز عن قلقه من غياب دور فعال للهياكل التي تم إنشاؤها لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، بما في ذلك مجلس السلام والمجلس التنفيذي والهيئة الوطنية لإدارة غزة، معتبرا أن هذا الغياب يفاقم حالة الفراغ ويترك المدنيين دون حماية حقيقية.
دعوات للتحرك العاجل
وجدد المركز دعوته للمجتمع الدولي والأطراف الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار للتحرك الفوري من أجل وقف الانتهاكات، وضمان احترام قواعد القانون الدولي، وفتح تحقيقات مستقلة تمهيدا لمحاسبة المسؤولين.
وأكد أن استمرار الإفلات من العقاب لا يؤدي فقط إلى تكرار الجرائم، بل يقوض أيضا أي فرصة لبناء سلام مستدام أو توفير حماية حقيقية للمدنيين في قطاع غزة.
دخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 بعد تصعيد عسكري واسع خلف آلاف الضحايا ودمارا كبيرا في البنية التحتية. ونص الاتفاق على وقف العمليات العسكرية وانسحاب القوات من مناطق محددة، إضافة إلى تسهيل إدخال المساعدات الإنسانية وفتح المعابر جزئيا أمام حركة الأفراد والبضائع. إلا أن تقارير حقوقية وأممية متتالية أشارت منذ الأيام الأولى إلى وجود خروقات متكررة، سواء من خلال استمرار العمليات العسكرية أو القيود المفروضة على الإمدادات الإنسانية، ويعيش قطاع غزة أوضاعا إنسانية معقدة نتيجة الحصار الممتد وتدهور الخدمات الأساسية، حيث يعاني السكان من نقص حاد في الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، ما يجعل أي تعطيل للمساعدات أو تصعيد ميداني ينعكس بشكل مباشر على حياة المدنيين ويضاعف من حجم الأزمة الإنسانية.











